ابن عبد الرحمن الملطي

67

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

أبدا . فضحك لذلك وقال : تعلمون ما أراد بشتمه إياي ؟ أراد أن يغضبنى فأعجل عليه في قتله ، وليخطئنه ذلك . فأمر بحز جلد عنقه ، ثم أمر به أن يسلخ جلد رأسه فسلخوه سلخا . فلم يزل يقتل كل واحد منهم بقتل غير قتل أخيه حتى أبقى أصغرهم فالتفت إليه وإلى أمه فقال لها الملك : لقد رأيت ما رأيت فانطلقى بابنك هذا فاخلى به وراوديه أن يأكل لقمة واحدة فيعيش لك . قالت : نعم . فخلت به فقالت له : اعلم ابني أمه كان لي على كل رجل من إخوتك حق ، ولى عليك حقان ، وذلك أنى أرضعت كل أخ من إخوتك حولين ، فأرضعتك أنت أربعة أحوال ، لأن أباك مات وأنا حبلى بك فنفست بك وخرجت ضعيفا فرحمتك لضعفك ، فأسألك بالله وبحقي عليك ألا ما صبرت ولم تأكل شيئا حرمه الله عليك ، ولا ألقى إخوتك يوم القيامة ولست معهم . فقال : الحمد لله الّذي أسمعنى هذا منك فإنما كنت أخاف أن تراودينى على أكله . ثم جاءت به إلى الملك فقالت : قد راودته وعزمت عليه ، فأمره الملك أن يأكل فقال : ما كنت لآكل شيئا حرمه الله عليّ ، فقتله وألحقه بإخوته ، ثم قال لأمهم إني قد رثيت لك ما رأيت اليوم ، كلى لقمة واحدة ، وأنا أصنع بك ما أحببت وأفوض إليك ما تعيشين به بقية عمرك ، فقال : أجمع ثكل أولادي ومعصية الله تبارك وتعالى ، فلا أبالي أن أعيش بعدهم ، فراودها فلم تجبه فقتلها . وعن عثمان رضي الله عنه قال : انطلقت مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وهو آخذ بيدي ، فسرنا بالبطحاء حتى انتهينا إلى عمار وأمه وأبيه ، وهم يعذبون في الله فقال عمار : يا رسول الله الدنيا هكذا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « اللهم اغفر لآل ياسر ، وقد فعلت » . وقال مجاهد : أول من أظهر الإسلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر ، وعمار بن ياسر ، وخباب بن الأرت ، وصهيب ، وبلال ، وسمية أم عمار . فأما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فمنعه الله بعمه ، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه ؛ وأما الآخرون فأخذوهم فصهروهم في الشمس وألبسوهم أدراع الحديد . فكل أعطى الّذي دعى إليه من الفتنة إلا بلابلا هانت عليه نفسه لله ، وهان على قومه . فجعل يقول : أحد ، أحد ، إله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما أعياهم جعلوا في